إذا الفقراء سُئلوا بأي ذنب جُوِِّعوا
بقلم : محمد دحاوي
« إشهار الحزن واجب، و إعلان الفقر أوجب »، من منطق هذه المقولة، أروي لكم خبر ذلك الصبي الذي لم يجد مكاناً يبيت فيه ليلته – الشديدة البرد – إلا تحت حافلة في المحطة الطرقية، شأنه في ذلك شأن عشرات المشرَّدين الذين يلتحفون بالسماء...
بينما الصبي مستغرقاً في النوم العميق ( رغم الهرج و المرج الذي يحدثه باعة التذاكر بحناجرهم السميكة ) شاء حظ المسكين أن يجيء سائق الحافلة، فيدس مفتاحها فيها، ليتحرك إلى مقصوده، و لكنه لم يكد يفعل حتى فوجئ بصياح بعض المسافرين الذين نبهوه إلى أن هناك تحت الحافلة صبي غارق في النوم. حين أخرج السائق الصبي المجهول من تحت حافلته، أشبعه ضرباً، ثم رماه على الرصيف. كان الصبي المسكين يرتدي ثياباً رثة، حافي القدمين، لم يكن هناك شيء يستر جسده النحيل، من أجل ذلك دخل تحت الحافلة و التصق بإحدى عجلاتها، بعدما يئس من إيجاد مأوى آخر، لكي يحتمي به من لسعة برد الليل. هزني هذا المنظر كثيراً و اسْتَهْوَلْتُهُ أكثر حين تذكرت حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم: « أَيُّمَا أهل عرصة أصبح فيهم امرئ جائع فقد برئت منهم ذمة الله و رسوله » رواه أحمد في المسند. و قلت إذا كان هذا شأن الجائع، فأي لعنة و لعنة تحل بالمجتمع إذا ما أصبح و أمسى فيهم الصبي جائعاً مشرداً؟! و تذكرت أيضاً قول فقيه الأندلس الإمام الجهبذ ابن حزم في كتابه " المحلى ": « فرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم... و يجبرون على ذلك، إن لم تقم الزكاة بهم... بحيث يقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لابد منه، و من اللباس للشتاء و الصيف بمثل ذلك و بمسكن يَكنُّهم من المطر و الشمس و عيون المارة... ». إن الجرم هنا ليس في حق ذلك الصبي و أضرابه فحسب، و إنما أيضاً في حق التعاليم التي حفظت للفقراء كرامتهم... لقد كانت الزكوات و الصدقات التي فرضها الإسلام أو حث و رغّب فيها تظللهم و تحنو عليهم يوماً بعد يوم و مرةً بعد أخرى، و لكن الذين جففوا ينابيعها لم يقدموا بديلاً يسترهم ( الفقراء ) و يخفف عنهم قسوة الزمن، فلا رحموا و لا تركوا رحمة الله تنزل، الأمر الذي يُخشى – إذا الفقراء سُئلوا بأي ذنب جُوِّعوا – أن ندفع ثمن إعراضنا عنهم في الدنيا و الآخرة. |