من خطب الشيخ محمد الغزالي رحمه الله « سياحة تاريخية »
الحمد لله رب العالمين، و العاقبة للمتقين، و لا عدوان إلا على الظالمين؛ و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك و له الحمد و هو على كل شيء قدير. و أشهد أن محمداً رسول الله، الرحمة المهداة، و النعمة المسداة و السراج المنير. اللهم صلﱢ و سلم و بارك على سيدنا محمد و على آله و أصحابه و التابعين. أما بعد:
فإن الله جل شأنه ذكر بلدنا هذا - مصر - في مواطن كثيرة من كتابه العزيز، و هذا يشير إلى أن بلدنا هذا - مصر - قديم التاريخ موصول الحضارة، تعتبر المدنية التي نبتت على شاطئه من أعرق المدنيات على ظهر الأرض، و يبدو أن الحياة الرتيبة في هذا الوادي، و أن الاستقرار الذي يصبغ جوه و أحواله عموماً أعان على تكوين حضارة في بلدنا هذا... حضارة تغلغلت في تاريخ الإنسانية و تركت أثراً واضحاً نضح على ما حولها، و أفاد الآخرون منه إفادة غير منكورة. و كانت الحضارة المصرية على الإجمال حضارة متدينة، يظهر أن تربة هذا الوادي لا يصلح فيها الإلحاد و لا يتشبث بها إلا الإيمان. كان الناس في أودية كثيرة من قارات الأرض يبحثون عن لقمة الخبز، و جهدهم أن يصلوا إليها، فإذا وصلوا إليها استراحوا و اطمأنوا، أما المصريون القدماء، فكان جهدهم كيف يعبدون ربهم، كيف يرضونه جهدهم، كيف يُؤَمِّنُونَ لقاءه يوم يلقونه، كيف يمهدون للدار الآخرة بالعمل الصالح في هذه الدنيا!! و مع أن حضارة المصريين الأقدمين اختلط الإيمان فيها بين توحيد و تعديد، فإنها على الإجمال كما قلت لكم كانت حضارة متدينة، و كان الشرك فيها إن حدث فاستجابة للرأي السائد يومئذ في الدنيا، و هو رأي يرفضه الإسلام بداهة. هذا الرأي أساسه أن الاتصال بالله الواحد صعب و أنه لا بد من وسطاء يمهدون له أو يوصلون إليه، و بداهة رفض الإسلام هذا المعنى لأنه أعطى كل امرئ الحق إذا عبد الله أن يقف بين يدي ربه يقول له: " الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم " (سورة الفاتحة 2-3)، و إذا أذنب أن يقف أمام ربه نادماً مستعبراً بقوله: " ربنا ظلمنا أنفسنا و إن لم تغفر لنا و ترحمنا لنكونن من الخاسرين " (سورة الأعراف 23). لكن أجيالاً ضلت طريقها لم تحسن الصلة بالله، و كان المصريون الأقدمون عموماً أهل توحيد حيناً، و أهل تعديد حيناً آخر، و إن كان التوحيد قد غلب عليهم في فترات كثيرة من حياتهم و تاريخهم، ثم وقع شيء لابد أن يذكر، فقد هجم الرومان على مصر، و كان الرومان يومئذ وثنيين و احتلوا هذا البلد قرابة ستة قرون!!. كانت مدة طويلة كليل الشتاء البارد المظلم، و كان مجيء الرومان إلى مصر في موجة من موجات المد التي تجعل بعض الأجناس يستغل خصائصه، و يمتطي قواه كي يستعبد غيره و يستخلص لنفسه خيره، و يجعل من نفسه سيداً، و من الناس عبيداً!!. كان الرومان لما دخلوا مصر على هذا النحو، و وقعت أمور نذكرها. في أثناء احتلال الرومان لمصر ظهرت المسيحية، و قيل إن عيسى ابن مريم و أمه جاءا إلى بلدنا هذا، فارين من بطش الرومان، و من ضغط حكامهم، أو من عسف الحاكم هناك و من ضغطه، و رجع بعد أن نمى عوده، و أخذ يؤدي دعوته في فلسطين. لكن المصريين اعتنقوا النصرانية، و لما اعتنق المصريون النصرانية ضاق الرومان بهم، و غضبوا منهم؛ لأن الوثنية الرومانية كانت تصبغ الحكم صبغة شديدة، حاول الرومان أن يردوا المصريين عن المسيحية التي اعتنقوها و لكن المصريين أبوا و تشبثوا بدينهم الذي اختاروه لأنفسهم. و بدأ عصر من العسف و الطغيان و المذابح حتى قيل إنه ما من قرية في مصر أو مدينة إلا سفك فيها الدم و كثر فيها القتلى!!. أبَى المصريون أن يتركوا الديانة النصرانية التي أختاروها لأنفسهم، و بدأ بهذا العصر الذي يسمى " عصر الشهداء " بدأ التاريخ المسيحي في مصر، و هو تاريخ يشرف أهله؛ لأن أهله قاوموا عبادة الأصنام، و دفعوا ثمن المقاومة من دمهم و أبوا إباء شديداً أن يتحولوا عن التوحيد و عن الكتاب السماوي الذي جاءهم، ثم شاء الله بعد ذلك أن يدخل الرومان المسيحية!!. و لكن الرومان لما دخلوا المسيحية دخلوها على نحو غريب، حتى قال بعض المفسرين: لا يُدرى أتنصر الرومان أم تَرَوَّمَت النصرانية؟!. أياً ما كان الأمر فقد تحول الرومان إلى النصرانية و اعتبرت الديانة الرسمية لهم، لكن المذهب أو الفهم الذي استقر الرومان عليه كان فهماً آخر غير الفهم الذي استقر عند المصريين. و حدث نزاع نظري تحول إلى جدل مر، و إلى أخذ و رد طويلين، ثم رأى الرومان و على رأسهم هرقل أن يفرض المذهب الروماني و مذهب الكنيسة الكاثوليكية على المصريين!!. و هنا قاوم المصريون الرومان و بدأوا عصراً يشبه العصر الأول، عصر الاضطهاد و الاستشهاد، إلا أن هذا العصر الجديد لم يطل، فقد شاء الله أن يخرج من قلب جزيرة العرب مد إسلامي عريض انتشر في أنحاء العالم انتشار السنا بعد ليل معتكر، انتشار الرحمة بعد عصر مليء بالقسوة و المرارة!!. و نال المصريون شيء من هذه الرحمة، فإذا عمرو بن العاص يقرع أبواب البلاد و هي في حال منكرة من الاضطهاد و الفوضى!!. كان بطريرك الأقباط محبوساً و كان أخوه قد قتل بعد أن عذب بالنار، و كان رجلاً بديناً فتقاطر دهنه على النار، ثم رمي به في أمواج البحر الأبيض فمات غرقاً!!. لما دخل عمرو بن العاص عرض دينه عرضاً عاديا!!. الناس لا تفهم كيف عرض عمرو الإسلام؟ إن الإسلام لا يعرض في مجال مناظرة، و هو في مجالس المناظرة قادر على أن يقهرالخصم، و أن يعلن الدليل، و لكن الإسلام عرض نفسه حكماً عادلاً و مجتمعاً فاضلا، و نفوساً بلغ من صفائها و عفتها أن قال الرافعي فيها: " ربما خافت البنت على نفسها من أبيها، و لكن لا تخاف على نفسها من الفاتح العربي المسلم "!!. دخل الإسلام مصر حرية عقل و ضمير، و توازن مجتمع لا تطغى فيه طبقة على أخرى. دخل الإسلام مصر، و أمام المسلمين قول نبيهم صلى الله عليه و سلم لهم: " إنه لا قُدِّسَتْ أمة لا يأخذ الضعيف فيها حقه غير مُتَعْتَعٍ " (رواه ابن ماجه في الصدقات... باب لصاحب الحق سلطان بسند صحيح 2/810. و معنى متعتع: أي من غير أن يصيبه أذى يقلقه أو يزعجه.). دخل الإسلام مصر فكان أول ما محاه التعصب الديني، و قال للأقباط: كنائسكم لكم تعبدون الله فيها على رأيكم و فهمكم لا يجبركم أحد على رأي أو على مذهب، أو على معتقد، و أطلق سراح البطريرك المحبوس حتى قيل: و أعان الأقباط في بناء بعض الكنائس!!. و العجيب أن عمرو بن العاص رضي الله عنه الذي دخل مصر فبنى هذا المسجد - مسجد عمرو بن العاص - للركع السجود، و الذي أقام حكماً ذوب فيه الفوارق بين الأجناس و الألوان، عندما أخذت ابنه نشوة من نشوات النصر، أو نزوة من نزوات العرب، أو قوة من قوى الجاهلية فأساء إلى أحد الأقباط، و كان القبطي ماكراً لبيباً، فذهب إلى الرجل الذي ارسل عمراًً، ذهب إلى عمر نفسه و شكى له!! فجاء عمر صاحب محمد صلى الله عليه و سلم و تلميذه، جاء بالقبطي المظلوم و بإبن عمرو بن العاص ابن الحاكم و قال لعمرو: متى استعبدتم الناس و قد ولدتهم أمهاتهم أحراراً...!؟ ثم قال للقبطي: خذ حقك من ابن الأكرمين!! ثم قال في فترة من فترات الغضب لله: " لو شئت أدرت السوط على صلعة عمرو بن العاص!! ". هذا حكم لنبوة، هذا حكم الإسلام!!. كان الإسلام يومئذ عقيدة تعرض نفسها، على أي شيء تعتمد؟ على صفاء حقائقها، على نضارة عقائدها و غزارة فضائلها، و وفرة المثل الرفيعة التي تدعو إليها. و الرجل يوم يكون صاحب ثروة طائلة من الصدق و الشرف و الرحمة و الوفاء و العفة فإنه يطمئن إلى أن ثروته هذه سَتُوَطِّئُ له الأكناف، و تفتح له القلوب، و تضيء له النواصي. و لذلك ما فكر الإسلام في بلد دخله أن يقيد الحريات، لم يقيدها؟ و الحرية عونه الأول على غرس الإيمان و تصحيح المعتقد، ما فكر الإسلام يوماً أن يقيم حكماً استثنائياً، و لم يقيمه؟ و العدالة هدفه، و هو يعلم أن الله عز و جل إنما ينصر أو يهزم بمقدار قوة الصلة به أو ضعف هذه الصلة. ظل المسلمون الذين جاءوا إلى مصر و هم أربعة آلاف مع عمرو لحقهم عدد قليل بعد ذلك من الناس بعد أن قوضوا الحكم الروماني، ظلوا على هذا النحو قلة، و لكن المصريين أخذوا يغلغلون البصر في الدين الجديد، و في المبادئ التي قام عليها، و بدأوا يدخلون فيه، و ظل المصريون يدخلون في الإسلام خلال القرن الأول، و خلال القرن الثاني، و لم يتحول الإسلام في مصر إلى كثرة في السكان إلا في القرن الثالث تقريباً!!، و الأساس هو ما قلت لكم: دين لا يعرف قط إلا مخاطبة العقل الحر، و إيقاظ الضمير النائم، و ما يعتمد في نشر مبادئه على عصا أو على إكراه. يخطئ المسلمون في مصر الآن خطأين: الخطأ الأول: أن عدداً منهم لا أدري أهو عدد كبير أم صغير؟، يقول بشيء من الغباء: إننا عرب، يقصد بذلك أنه نسل الفاتحين، هذا كذب، هذا كذب!! و لعل مركب النقص هو الذي يدفع إلى هذا الزعم!! فنحن في الحقيقة أبناء المصريين الذين أسلموا!! ربما كان هناك عدد من أبناء العرب الذين و فدوا، لكن هذا العدد قليل!! أما الكثرة الكبرى من المصريين فهم أبناء المصريين الذين دخلوا في الإسلام. و عندما يقول المصريون إنهم أبناء الفاتحين يعطون غيرهم حجة مكذوبة أنهم أبناء مصر و أن غيرهم وافد و طارئ، و هذا غير صحيح!! يجب أن نعرف الحقائق فإن أكثرنا غافل. أريد أن أقول لكم: إن شيخ الأزهر العباسي المهدي كان أبوه قبطياً!! و يوجد بين أئمة المساجد الآن و بين مفتشي المساجد و بين علماء الأزهر رجال آباؤهم و أجدادهم من الأقباط!!. فالقول بأن المصريين أبناء الفاتحين غلط فاحش ما ينبغي أن يقال، هذا خطأ يرتكب!!. الخطأ الثاني: الذي يرتكبه المسلمون أنهم يسمُّون مجيء عمرو بن العاص إلى مصر: الفتح العربي لمصر!!. كان هذا التعبير سليماً يوم كانت كلمة فتح تعني شيئاً آخر غير المفهوم الذي عرف به الآن في العالم، فكلمة الفتح الآن تساوي الغزو، و الحقيقة أن الوصف الدقيق لمجيء العرب إلى مصر هو تحرير العرب للمصريين!!. الجيش الذي انطلق من المدينة عبأه أبناء محمد صلى الله عليه و سلم في عقيدته، و حملوه راية التوحيد، لم ينطلق كي يكره على إيمان، و إنما انطلق كي يحرر شعوباً مستعبدة أو كما قال أحد القادة لحاشية كسرى تقولون: لم جئتم؟ " جئنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد "!! لم نجيء لنستعبد الخلق، و الدين لله، هذا ما ينبغي أن يعرف، و هنا أريد أن أشرح هذا المعنى، و ألقي الضوء عليه: توجد الآن في أفريقيا شعوب ترسف في قيود الهوان مسروقة تحت الشمس !! توجد شعوب تترنح تحت ضربات الأقوياء الذين ألهبوا الجلود بسياطهم، و كمموا الأفواه حتى لا تصيح من الألم!!. توجد الآن في جنوب أفريقيا و في روديسيا، و في مستعمرات البرتغال الثلاث في وسط أفريقيا و غربها، و توجد تحت راية حكومات مستقلة للأسف، توجد جماهير كثيفة تضرع إلى الله أن يرسل إليها من يفك الأغلال عنها، و من يكسر أبواب السجون التي قبعت وراءها فهي لا تعرف في قيودها و سجونها إلا الهوان و البأساء و الضراء!!. لو أن جيشاً ذهب إلى المليونين في جنوب أفريقيا ليسقط الحكم القائم، و يقيم حكم مساواة و رشد، لو أن جيشاً ذهب إلى مستعمرات المستعبدين تحت الحكم الكاثوليكي البرتغالي و أسقط الراية التي هناك، و أقام راية أخرى تعطي الملونين من الزنوج، و المظلومين من المسلمين الحقوق العادية للبشر العاديين، أيسمى هذا غزواً؟ أيسمى هذا فتحاً استعمارياً؟ أيسمى هذ افتياتاً على الأمم؟!!. إن العرب لما خرجوا من جزيرتهم إلى مصر أو الشام لم يخرجوا مستعمرين أو طلاب دنيا، لماذا؟ لأن طلب الدنيا في دينهم جريمة!!. رجل قال لرسول الله صلى الله عليه و سلم: " إني أقف المواقف أريد وجه الله و أحب أن يُرى موطني " فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم شيئاً حتى نزلت هذه الآية: " فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً و لا يشرك بعبادة ربه أحداً "(رواه ابن أبي حاتم - تفسير ابن كثير 3/108 و الآية 110 من سورة الكهف). اعتبر الرياء شركاً، اعتبر القتال طلباً للدنيا جريمة. و قال في تعريف الجهاد: " من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله " (رواه البخاري في الجهاد - باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا 4/23 و مسلم في الإمارة - باب باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا 6/46 و ابن ماجه في الجهاد - باب النية في القتال 2/931). هذا هو الإسلام، فالذين جاءوا إلى مصر أو ذهبوا إلى سوريا، ما جاءوا و ما ذهبوا كي يقال: إنهم فتحوا أو إنهم غلبوا أو إنهم ملكوا... لا... لا، كانوا يعملون لله، و يؤدون حق الله، و كانت الآخرة أحب إليهم من الدنيا، و كان الموت في سبيل الله أحلى مذاقاً في أفواههم من أن يعودوا إلى زوجاتهم و أولادهم، كانوا أصحاب عقائد. و إذا حَلاَ لبعض المستشرقين أن يتساءل ما الذي جاء بالعرب إلى أفريقيا و إلى آسيا؟. فلنقل له قبل ذلك: و ما الذي جاء بالرومان إلى مصر، و إلى آسيا الصغرى، و إلى الشمال الإفريقي كله؟!. قبل أن تسأل ما الذي جاء بالعرب ليحرروا، إسأل نفسك ما الذي جاء بأجدادك هنا ليستعبدوا؟!. لا تقل لم جاء العرب مصر؟ سل نفسك أولاً لم جاء الرومان مصر؟ إن المحرر لا يسأل عن فعله، و إنما يسأل المستعبد عما صنع!! ثم إن الجزية التي يتحدث البعض عنها ما كانت أكثر من توازن اقتصادي بين المسلمين و غيرهم. كان المسلم مكلفاً بدفع الزكاة، و كان مكلفاً بدفع ما يقيم عدة الحرب، و جهاز القتال، و لم يكن أهل الذمة مكلفين لا بقتال و لا بمساهمة في قتال و لا بالإعداد له بقرش و لا بدفع زكاة!!. فإذا كان المسلمون سيأخذون القليل في نظير أن ينهضوا هم بالحماية فأي عيب في ذلك؟. و يقول التاريخ: إن أبا عبيدة بن الجراح لما وصل إلى " حمص " و أخذ من أهلها الجزية أكرهته بعض العمليات العسكرية على أن ينسحب فقرر رد الجزية إلى الناس، فقالوا: ما هذا؟. لقد تعودوا أن الحكام يأخذون و لا يردون، تعودوا الحكام، يغصبون و لا يعدلون، فوجدوا حاكماً أخذ منهم بالأمس جنيهاً و هو يرده اليوم!! فقال لهم: لقد أخذنا منكم هذه الجزية في نظير أن ندفع عنكم أما إذ عجزنا عن الدفاع فلا يحق لنا لأن نأخذها!! فقالوا لأبي عبيدة: استبق المال معك، و سنقاتل الرومان معكم معشر العرب جنباً إلى جنب، فما عانينا من ظلمهم يجعلنا نتفق معكم في قتالهم!!. إن التاريخ مليء بالإشاعات الكاذبة، و من الإشاعات التي روج المسلمون لها للأسف أن الإسلام دخل مع الفاتحين و أنه دين الفاتحين و هذا غير صحيح. حمل الفاتحون العقيدة لكنهم ما فرضوها و لا أكرهوا أحداً عليها، و كان المسلمون قلة في القرنين الأولين من الفتح، ثم بدأوا يكونون كثرة بالاقتناع الفردي، و لا يجرؤ أحد أن يقول: إن المصريين أكرههم الإسلام على الدخول فيه، فإن المصريين وفق تاريخهم الثابت عنهم قاوموا الرومان، و قتلوا في كل قرية، و لم يفرطوا في دينهم، و قاتلوا الرومان مرة أخرى حتى جاء الفتح العربي فأنقذهم من بطشهم، فلم يدخلون في الإسلام دون أن يسفك دم؟ إنما دخلوا لأن الله شرح بالإسلام صدورهم!!. فماذا كانت علاقة الإسلام بغيره من الديانات بعد أن أصبح دين الكثرة هنا؟. المسلمون في أرض الله كلها ناس طيبون و سمحاء، التعصب لا يعرف طريقاً إلى قلوبهم، و الحروب الدينية التي جعلت سطح أوربا ملوثاً بالدم مليئاً بالفتن، هذه الحروب لا يعرفها العالم الإسلامي، لأن العالم الإسلامي عاش على فهم أنه يمكن أن يتعاون اثنان بينهما اختلاف دين على أمر مَّا!!. و قد حدث أن النبي عليه الصلاة و السلام و هو يهاجر استأجر الدليل على الطريق استأجره مشركاً. و هذا الدين قال: يمكن أن تتسع غرفة - متران في ثلاثة أمتار - لرجل و امرأة عى غير دينه تكون يهودية أو نصرانية !! فإذا اتسعت حجرة لدينين أفلا تتسع الأرض الفضاء لدينين؟! مشى الإسلام في بلدنا على هذا النحو يعيش بسماحته، و يعيش بقدرته الذاتية على الحياة، إلى أن نكب بالاستعمار الأوربي، و حدث ما حدث في تاريخ يطول، ثم بدأنا ننتعش و نعود، لكننا عندما حاولنا أن نعود وجدنا الاستعمار قد نكبنا بنكبتين من لونين مختلفين!!. في عهد مضى نكبنا بالمادية الحيوانية، و المادية الحيوانية فلسفة تجعل الشباب يعيشون بحثاً عن الشهوات، تجعل الناس يكدحون لمأرب خسيس أو غرض قريب، المادية الحيوانية تجعل العيش في الأرض للأرض، و هي مادية قصد بها تكوين جيل مقطوع عن دينه يبحث عن الأهواء و الدنايا فقط!!. و قاومنا هذه المادية مقاومة نجحنا فيها حيناً و فشلنا فيها حيناً، ثم جاءت مادية أخرى هي المادية الجدلية الحمراء، هي مادية تجعل الناس يفتحون أفواههم بوقاحة يقولون: لا ألوهية و الحياة مادة!! لكن شاء الله أن يتلاشى هذا الزحف، و أن يتضعضع و يضطرب. عندما قامت ثورة 23 يوليو 1952 م كانت قلوب الناس أجمعين معها، لماذا؟ كان القادة يرفعون المصاحف، و كانوا تحت علم مكتوب عليه: " و أعدوا لهم ما استطعتم من قوة " ( سورة الأنفال 60). و كان العمل للعروبة و الإسلام و اضحاً في هذا المخطط، ثم شاء الله أن تسرق الثورة! و أن تجيء مراكز قوة تنال من ديننا، و من عقلنا، و من تفكيرنا، و بدأت المادية بألوانها تنضح علينا من كل ناحية حتى ظُن أن الصلاة جريمة، و أن الاتصال بالله منكر، و أن العودة إلى الإسلام طريق الهلاك!!!. و الذي أريد أن أقوله بعد هذه السياحة التاريخية المتقطعة: أيها المسلمون: إن التمسك بالدين ضرورة حياة لكم، و إن الذي يتصور التمسك بالدين طريقاً إلى السجن مخطئ جداً، و إن الذي يتصور التمسك بالدين طريقاً إلى السجن، ثم يترك دينه فهو مجرم!! فالسجن أولى من ترك الدين!!. و مع هذا فنحن لا نقول ما قال يوسف: " رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه " (سورة يوسف 33)، فإننا لا ندعى الآن إلى منكر، لا ندعى الآن إلى ضلالة، إنني أهيب بالشباب، بالجيل الناشئ ألا يهاب العودة إلى دينه، أن يكون جريئاً في التمسك بإيمانه و انطلاقه تحت راية التوحيد، غير متهيب و لا متوجس، و لا قلق و لا جزوع، يجب أن يعلم أن راية الإيمان لابد أن تمشي القوافل تحتها حثيثة كثيفة لا تخاف و لا تخشى. ثم أقول للمسلمين شيئاً آخر: إن الضعيف لا يقويه أن يهدم غيره، إن الضعيف سيبقى ضعيفاً، و لو أن غيره تلاشى من الأرض، و لو أن أعداء الإسلام اختفوا جميعاً من هذه الدنيا و بقي المسلمون على الوضع الذي هم عليه الآن نظرياً و نفسياً و خلقياً فإن الأرض لا تصلح بهم و لا يستحقون التمكين فيها!!. إنني أقول للمسلمين استرجعوا دينكم بحقائقه، عيب أن يكون الشباب المسلم أو الطالب المسلم متأخراً في ثقافته أو في دراسته، و غيره قوي في دراسته، أو في معرفته و علومه!!. عيب أن يكون التاجر المسلم ضعيفاً في عمله، مضطرباً في أسلوبه، غاشاً في سلعه، ثم يحسد الآخرين إذا نجحوا أو تقدموا، لا، إن العقيدة تحتاج إلى خدمة من نوع جديد، حدث منذ بضع سنين لا تتجاوز الأصابع أن صدر أمر إلى المسيحيين في القدس أن يشتروا الأرض من المسلمين. كانت رغبة في أن يوضع الطابع الصليبي على القدس القديمة، و بدأ ناس من المسلمين يبيعون دورهم، المتر الذي يساوي خمسين عرض عليهم فيه مائة، مئتان!! و قال المُفْتُونَ يومئذ: إن المسلم الذي يبيع شبراً من أرضه يعتبر مرتداً!! لأن الشبر الذي يبيعه من أرضه يكون موطئ قدم لحملة صليبية جديدة على بلادنا. ألا فليستيقظ المسلمون. إن يقظة المسلمين لا تعني أكثر من أن يتمسكوا بدينهم، و يحترموا أخوتهم، ثم الآخرين ممن ليسوا على ديننا سوف يعيشون معنا كما عاشوا على امتداد القرون، لهم ما لنا و عليهم ما علينا!! بل ربما قلنا: " لهم ما لنا من الحقوق و أكثر!! و عليهم ما علينا من واجبات بل أقل "!!. إننا نحن المسلمين ليس في تاريخنا الطويل أننا أصحاب تعصب، و لكن في تاريخنا الطويل أننا أصحاب طيبة قد تبلغ حد الغفلة و الجهل!! أقول قولي هذا و أستغفر الله لي و لكم.
الخطبة الثانية الحمد لله " ... الذي يقبل التوبة عن عباده و يعفو عن السيئات و يعلم ما تفعلون. و يستجيب الذين آمنوا و عملوا الصالحات و يزيدهم من فضله و الكافرون لهم عذاب شديد " (سورة الشورى 25-26). و اشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين، و أشهد أن محمداً رسول الله إمام الأنبياء و سيد المصلحين. اللهم صل و سلم و بارك على سيدنا محمد و على آله و اصحابه و التابعين. أما بعد: عباد الله أوصيكم و نفسي بتقوى الله عز و جل، و اعلموا أيها الإخوة أن بلدنا هذا يحتاج إلى مرحلة من الاستقرار، يمكن فيها أن يتم بناء على العقيدة و الخلق، على الإيمان و الشرف، على الإسلام و مبادئه و شرائعه. نحن بحاجة إلى هذه الفترة، و وحدتنا الوطنية سلاح لنا، و أن أخشى أن يكون أعداؤنا قد حرضوا البعض على أن يحدث أي تعكير لهذه الوحدة لحساب غيرنا لا لحسابنا، إن أي تعكير لهذه الوحدة الآن ليس لحسابنا، و الذي يعكر هذه الوحدة معروف، لأنه يعمل لحساب الاستعمار الأجنبي!!. إننا نوصيكم مشددين ألا يستفزكم أحد، و أن تضبطوا أعصابكم، و في الوقت الذي أكلفكم فيه بضبط الأعصاب، و امتلاك النفس، أقول لكم: إن الوسائل التي تُنجحون بها دينكم و تملكون بها السيادة على أرضكم في أيديكم و لا تحتاج إلى مشقة طويلة و لا إلى جهد العباقرة، تحتاج إلى جهد الرجل العادي، و يوم ينقص المسلمين جهد الرجل العادي لينجحوا فهم أهل لأن يضيعوا!! و هم أهل لأن يتلاشوا و تخلص الإنسانية منهم لأنهم ليسوا أهلاً للحياة!!. إن تماسك المسلمين لا يحتاج إلى عبقرية، و إنما يحتاج إلى اليقظة العادية، إلى السيرة التي لا غفلة فيها و لا استكانة و لا فوضى و لا تواكل!! هذا ما ألفت النظر إليه. " اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، و أصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، و أصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، و اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، و اجعل الموت راحة لنا من كل شر " (رواه مسلم و النسائي و أحمد). " ربنا اغفر لنا و لإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، و لا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم " (سورة الحشر 10). عباد الله: " إن الله يأمر بالعدل و الإحسان و إيتاء ذي القربى و ينهى عن الفحشاء و المنكر و البغي يعظكم لعلكم تذكرون " (سورة النحل 90). و أقم الصلاة |