ملفات و تحقيقات : صرخة في " ثازوضا " 5/3 ( اليوم الثالث )
بواسطة Bougarba في 2010/2/2 3:32:55 (1126 القراء)

صرخة في " ثازوضا " 3/5 : اليـــــــــوم الثالث

بقلم : ذ. حسين الطاهري

« وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ » (سورة البقرة، الآية 36)
المقبرة صارت مختلفة عن المقابر الأخرى، هناك في الواجهة الأخرى، بقايا المقبرة العتيقة، وانحسار القبور بسبب الهجرة. ولكن هل ستحتل الخنازير والقرود مساحات أكبر والأفارقة ما علاقاتهم بالمزبلة الكبيرة؟


كان « بيدرو » ينبش بعصاه الغليظة في المزبلة، يفتش عن فتات الموائد، رائحة التعفن كانت تؤلمه حتى المخ فينسحب دون أن يستعمل النبش، لينتظر الذي يأتي ولا يأتي، ولا يحيد عن النظر الى البحر يتأمله. يؤذن المؤذن لصلاة المغرب، يغلق باب المسجد، خوفا من أن يداهمه الخنزير.
” من القلعة انحدر غيم أزرق نحو الأزقة
بشار الحرير يطير
سرب الحمام يطير
أمشاط عاجية “ محمود درويش
يسارع الى واجهة البحر، يطلق ساقية للترع الأزرق، ينظر الى الغيم الأزرق بعيون يائسة زرقاء من جهة الحوض يائسة بيضاء. يتفرس من بعيد في زوارق الصيد. يرجع ليدفأ بالمزبلة والمقبرة والأماكن المهجورة في السفح. ينوي مغادرة هذا المكان مع شروق الشمس إلى أماكن أخرى حيث الخبز و الأكل ليحتمي بباب الفرن المتواجد في قرية بعيدة.
الساعة تشير الى الواحدة بعد الزوال رائحة الخبز مشهية، عملية إفراغ الخبز من الفرن في تصاعد، يلتصق بباب الفرن، يزوده صاحب الفرن بخبزة كبيرة ساخنة تكاد تحرق أصابع يده اليمنى، يضمها الى صدره يحس بالدفئ، فينصرف وهو يتطلع إلى زرقة السماء، متخيلا زرقة البحر، تتجدد لديه الرغبة في التسلل، يحاول، يفشل في التسرب، يتوارى عن الأنظار...
يقوم الإمام ليؤذن، يكثر من الدعاء كلما تقدم لوقت من أوقات الصلاة، يكثر من التسبيح و الاستغفار. يقرأ الفاتحة فينصرف الخنزير بدون ان يمسه بأذى، يتعرض الخنزير بعد انصرافه من المسجد لهجوم الإفريقي ورفاقه في الصباح الباكر من يوم السبت، تقوم المبارزة بينهما ينتصر فيها الإفريقي فأردى الخنزير قتيلا.
كان يصعب عليه التواصل مع الإمام ولكنه كان لايجد أية صعوبة في التواصل مع « سلام » بسب إتقان هذا الأخير للغة الفرنسية.
استغرب « سلام » حينما بدأ يتتبع منصتاً لقصيدة شعرية كان يرددها بالفرنسية ﻟ « جيريل اوكار » وهي ما يقابلها بالعربية على الشكل التالي:
ندف الثلج تتهادى في رقة، إلى أسفل، قادمة من عين السماء، وتسقط خفيفة على أشجار الصنوبر الشتوية المتعبة والأغصان التي نزعها الشتاء وعراها، تسيل ببطئ مع ثقل الذي لا ثقل له، كمشيعي الجنازة الذي هزهم الحزن حين يسقط القماش الجنائزي الأبيض ببطئ على الأرض التي لا تعرف الموت. ونهض النوم الثقيل متنصصا من المدفأة وأغلق عيني بلمسة القطن الحريري على الماء المتساقط ثم حلمت حلما في نومي الثقيل، ولكني لم أحلم بالأرض تموت وأشجار الصنوبر وهي تسهر، وإنما حلمت بالطيور، طيور سوداء تحلق في داخلي، وتعشش وتفرخ على نخيل الزيت حاملة الشموس من أجل الفواكه وتثقب الجذور مجارف المقتلعين كما حلمت بالمقتلعين واهنين يسندون على جذوري، جذورهم المهجورة. ومنح نخيل الزيت كلامهم شمسا ولكنهم راحوا يوازنون المقل الكفيفة على راحة أيديهم ويقطبون على جباههم صدوع ذلك أن الشمس لم تصل الى معان الذهب ثم استيقظت. استيقظت على الثلج وهو يتساقط في سكوب وأشجار الدردار المحنية الظهور تميل وتتمايل على ريح الشتاء، مثل المسلمين ذوي الثياب البيضاء وهم يسلمون بعد صلاة المغرب والأرض تتمدد في غموض مثل وجه في مذبح كنسي.
« سلام » شاب حاصل على شهادة الإجازة في البيولوجيا من جامعة محمد الأول من وجدة. ينحدر من أسرة متوسطة الحال (جده مازال حيا يرزق) طويل القامة، عريض المنكبين يقضي نهاية الأسبوع برفقة جده بالقرية الجبلية التي من مسقط رأسه « إبوعجاجن »، يهوي الرياضة، وخاصة الجري، يحس كأنه في منطقة أخرى من العالم حينما يكون بمحضر جده هناك.
التقى في يوم من أيام الأسبوع ولعله يوم الأحد مع catamba، مع الذي طال به الانتظار لموعد التسلل الى مليلية ومنها الى إسبانيا وأروربا عموما. فبدأ يتذاكر معه حول أمور بلاده السياسية والاجتماعية والثقافية، إنه من الطوغو وصديقه من مالي، طالب جامعي متزوج... يشكو من آثار المجاعة والجفاف والحرب الأهلية له موقف خاص من الدول المستعمرة سابقا. كأنها هن المسؤولة الأولى والأخيرة على نهب خيرات افريقيا.
يدعي بانه سيء الحظ لأنه لم يتمكن التسلل الى مليلية رغم المحاولات المتكررة. يأوي إلى دار خرب، يفرش، يحس بالدفئ بين أشجار الصنوبر والعرعار يمشي بالغابة نهارا كما يمشي بها ليلا... غابتنا هنا خالية من الوحوش تقريبا... إنه دائما في لحظة الترقب للتسلل.
حينما يحس بالجوع لا يهدأ حتى يتمكن من الخبز، وما يلازمه من الجوع الذي يعاني منه أحيانا، ليس كالجوع الإفريقي كما يصرح بذالك. جوعه الجديد هو جوع انتظار العبور. أما الجوع الحقيقي فهو غير وارد على الإطلاق كما يقول.
رياح الجبل تلفح وجهه تكشف عن أعلى صدره، فيصاب بنزلة برد، تقعده عن المشي الرتيب في كل صباح لتفقد أحوال الحدود والأسلاك الشائكة...
يشتهي اكل اللحم. ينظر نظرة غير بريئة الى قطيع فقير « بنعيسى حمو » الذي يرعى في السفح، ثم يتوارى عن الأنظار لبضعة أيام...
قال « حسن أوعلي » أمس ﻟ « سلام بوعيادي» إنه رأى « كتامبا » مساء أمس يحمل قلة بيضاء، تظهر مملوءة، ولعلها بالماء ومعه رزمة من عشب العرعار. كان الإمام يشجع أصغر أبنائه للذهاب الى مليلية، في كل صباح، قصد التعود على مشاق الحياة، والتمكن من كسب لقمة الخبز.
يمشي مشية الحمل في فصل الشتاء يتعثركل صباح بين الصخور قبل الوصول إلى الطريق الرئيسي. يتيه في شوارع المدينة السليبة، يتابع النصرانيات في سوق الخضر الرئيسي، يحثهن على حمل أثقالهن الى منازلهن، كغيره من الأطفال في سنه، أو يلتجأ الى احتراف لمع الأحذية أو غسل السيارات.

تحضير للطباعة أرسل هذا الخبر إنشاء ملفpdf من الخبر
 
التعليقات تخص صاحبها ولا تخص ادارة الموقع

الكاتب الموضوع
mohamed
بتاريخ: 2010/2/4 13:34  تحديث: 2010/2/4 19:38
عضو مهم
الإنظمام: 2009/10/20
من:
ردود: 407
 رد: صرخة في " ثازوضا " 5/3 ( اليوم الثالث )
تشردت في الأرض بين الليالي فأصبحت أحمل كل الصفات شباب وحزن........رماد ونار............وطير يغني بلا أغنيات.......أداوي الجراح بقلب جريح.............. أمني القلوب بلا أمنيات.
من طبع الانسان اللإفساد و سفك الدماء؟ هل كان هناك إنس يفسدون و يسفكون الدماء في مكان ما من الكون قبل ان يكونوا على الارض؟
أكتب رد

شارك معنا برأيك

دوري اكتشاف المواهب
حسن زريوح
عصام تلا
زهير الماردي
ابراهيم السياح

دوري اكتشاف المواهب
أيوب أسليخ
عصام برحموني
عثمان الوهابي
محمد امين بوحجار

إشهارات


من متواجد الآن

41 متواجد (22 في المقالات)

عضو: 0
زائر: 41

المزيد

تسجيل دخول

اسم المستخدم :

كلمة المرور :


فقدان كلمة المرور ؟

أعضاء جدد

mista 2010/9/7
ahmed 2010/9/4
frana 2010/9/2
mohammed 2010/9/2
amin 2010/9/2
AmiR 2010/8/31
imad-afkir 2010/8/25
soufian_ar 2010/8/23